السيد الطباطبائي

204

تفسير الميزان

تعالى ذلك ببيان ان الله هو الاله المعبود لا غير لقيام تدبير العالم به كما إن الخلقة قائمة به ولانتهاء جميع النعم إليه وانتفاء ذلك عن غيره فالواجب ان يعبد الله ولا يعبد غيره وبيان ان الدين الحق لله فيجب ان يؤخذ به ولا يشرع دونه دين ورد ما ابداه المشركون من الشبهة على النبوة والتشريع وبيان أمور من الدين الإلهي هذا هو الذي يرومه معظم آيات السورة وتنعطف إلى بيانه مرة بعد مرة وفي ضمنها آيات تتعرض لأمر الهجرة وما يناسب ذلك مما يحوم حولها . قوله تعالى : " اتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون " ظاهر السياق ان الخطاب للمشركين لان الآيات التالية مسوقة احتجاجا عليهم إلى قوله في الآية الثانية والعشرين : " إلهكم اله واحد " ووجه الكلام فيها إلى المشركين وهى جميعا كالمتفرعة على قوله في ذيل هذه الآية سبحانه وتعالى عما يشركون ومقتضاه ان يكون الامر الذي أخبر باتيانه أمرا يطهر ساحة الربوبية من شركهم بحسم مادته ولم تقع في كلامه حكاية استعجال من المؤمنين في أمر بل المذكور استعجال المشركين بما كان يذكر في كلامه تعالى من أمر الساعة وامر الفتح وامر نزول العذاب كما يشير إليه قوله : " قل أرأيتم ان اتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون إلى قوله ويستنبئونك أحق هو قل أي وربى انه لحق وما أنتم بمعجزين " يونس : 53 إلى غير ذلك من الآيات . وعلى هذا فالمراد بالامر ما وعد الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا وأوعد المشركين مرة بعد مرة في كلامه انه سينصر المؤمنين ويخزى الكافرين ويعذبهم ويظهر دينه بأمر من عنده كما قال : " فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره " البقرة : 109 واليه يعود أيضا ضمير فلا تستعجلوه على ما يفيده السياق أو يكون المراد باتيان الامر اشرافه على التحقق وقربه من الظهور وهذا شائع في الكلام يقال لمن ينتظر ورود الأمير هذا الأمير جاء وقد دنا مجيئه ولم يجئ بعد . وعلى هذا أيضا يكون قوله سبحانه وتعالى عما يشركون من قبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إشارة إلى انهم ينبغي أن يعرض عن مخاطبتهم ومشافهتهم لانحطاط أفهامهم لشركهم ولم يستعجلوا نزول الامر الا لشركهم استهزاء وسخرية .